اديب العلاف
47
البيان في علوم القرآن
إن قصة يوسف هذه فيها تحليل دقيق للعواطف الإنسانية في خيرها وشرها وللدوافع النفسية في مختلف مجالاتها . إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ يوسف : 8 ] . الأصل في العاطفة الأخوية أنها عاطفة محبة وتعاون على الخير وتضحية . . ولكنها هنا انقلبت إلى بغض وحسد وشر حيث قال إخوة يوسف : اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ « 1 » [ يوسف : 9 ] . وهكذا أجمعوا أمرهم ورموا يوسف في البئر . . وهنا تظهر الرحمة الإلهية لتهدئ من فظاعة الحدث المؤلم على يوسف الصغير حيث أعلمه اللّه بالوحي الرباني . . بأنه سيخبرهم بفعلتهم هذه في يوم ما وهذا يعني أنه سينجو مما هو فيه . . وأنه سيكون بوضع هام ومركز عظيم . فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ يوسف : 15 ] . وتتابع الرحمة الإلهية بيوسف وتحيطه العناية الإلهية حيث اشتراه عزيز مصر الذي أوصى زوجته به عسى أن يتخذوه ولدا أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولدا وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض
--> ( 1 ) اطرحوه أرضا : ارموه وألقوه في أرض بعيدة . يخل لكم : يبقى لكم وحدكم . وجه أبيكم : محبته لكم وقيل يبقى لكم أبوكم نفسه وحدكم وقد عبر عن الشخص بالوجه لأنه هو أهم عضو في الجسم . ولا يمكن أن يكون إنسان بدونه . من بعده : أي من بعد غياب يوسف . غيابت الجب : أسفل البئر وقعره حيث الظلام الشديد والبعد أكثر . أوحينا إليه : مع صغر سنه وهذا كرامة ليوسف . لتنبئنهم : لتخبرنهم بفعلهم في يوم ما . لا يشعرون : لا يدرون بأنك أنت يوسف وكيل الملك .